إقرأ/ رائعة للشرطي الظريف ذو الهجاء اللطيف

إقرأ/ رائعة للشرطي الظريف ذو الهجاء اللطيف

الشرطي الظريف ذو الهجاء اللطيف
2018-10-20 01:53:26
“نشر هذا النص في جريدة محلية آخر تسعينيات القرن الماضي، ونعيد نشره اليوم بمناسبة رحيل إحدى هامات الأدب الشعبي الموريتاني، المرحوم المختار اسلامه ولد عبد الكريم

في ظل ركود ملحوظ للحياة الأدبية عامة وللإبداع الشعري على وجه الخصوص لا بأس أحيانا بالرجوع إلى بعض إنتاج الأدب الشعبي ولست في هذا المقام بصدد اللجوء إلى أدباء القرن الماضي وإنما سأقتصر على بعض إنتاج أديب شعبي معاصر هو الشاعر المختار اسلامه ولد عبد الكريم.
لقد بلغ هذا الأديب مبلغا كبيرا من الشهرة منذ السبعينات، وذلك عندما كان يحصل تباعا على جوائز مسابقات الأدب الشعبي التي كان ينظمها المركز الثقافي المصري الذي كان بلا مراء المحتضن الأساسي للحياة الثقافية الحافلة التي كانت تشهدها نواكشوط في ذلك العهد.
ولقد دأب منذ تلك الفترة على الإسهام بصفة متميزة في إنعاش الحياة الأدبية للبلد.
وعلى الرغم من هذه المكانة فإنه يعيش اليوم شبه تقاعد أدبي وكأنه يريد فسح المجال لأدباء جدد، ويحسب أن أدبه قد أصابته الشيخوخة ولكنه مع ذلك يطالعنا من حين لآخر “بكاف” منفرد ظريف سرعان ما يتسابق الناس إلى حفظه وروايته. ومن المفارقات أن الذائع من أدبه هو أساس الهجاء ويعزى تهافت الناس على إنتاج المختار اسلامه إلى كون الهجاء عنده يلتزم بحدود اللباقة ويبقى في إطار العموميات بعيدا عن القذف، وصريح الشتم، ثم إنه إلى جانب ذلك غالبا ما يأتي بعنصر طرافة أو إثارة يشد تعلق الناس ويزيد إعجابهم به فيكون ذلك حافزا إضافيا على الحفظ والمذاكرة ولتوضيح هذه النواحي في هجاء المختار اسلامه نورد النماذج التالية:
1.
اشكرت ابطلعه منتزه
واخسرت الطلعه والبرزه
نختير ابرز نكاف
بقي الله وكاف

2.
حاكم لكصر يامس كست
حكم فالحاكم شفت
يغير ألا منكيفن جيت
واعرفت ان حاكم وامشيت

3.
بصحاب نعرفهم ست
أثلاث نعرفهم حت
غير إفكر وقت مشفور
واثلاث نعرفهم بشور

4.
ابهم لحمد جيت
كظظ راص وامشيت
وشفت من تخراص
مفات اركب راص

إن الشاعر بطبعه مرهف الحس شديد التأثر حاضر الشعور، ولذا فهو ليس في مأمن من الانفعال وليس له تحكم فيما قد يبدر منه، ولذا قيل : “اتقوا ألسنة الشعراء” ويمكن أن نضيف : “اتقوا مشاعرهم وأحاسيسهم أيضا”.
وهكذا فإن شاعرنا قد ينتقل من أدبه الوديع وأغراضه المسالمة وعالم الجمال والخيال إلى هموم ومشاكل الحياة اليومية ومسؤوليته كرب منزل فإذا صادف بعض المصاعب وأصيب بخيبة الأمل انقلب بشيء من المرارة فإن ذلك يأتي في قالب: “كاف” لكن صدمته لا تفضي به أبدا إلى الهجاء المقذع.
وإذا نظرنا إلى النماذج نجد أنها يمكن أن تفكك إلى مجموعة من الوحدات المشتركة.
التعبير عن الحاجة ورجاء العطاء:
ترمز إليها عبارات مثل : “نختير ابرزه نكاف” و “مشفور” و “ابهم”. فهناك حاجة تمثل المسوغ الأول ومبعث الأمر ونقطة الانطلاق، وكل هذا مرتبط كما أسلفنا بمشاغل الحياة اليومية والمشاكل المادية الملحة.
ويعني التوجه إلى شخص في حاجة معينة أن الشاعر يمنح ثقة ويعقد أملا على الشخص المفقود. وفي الحقيقة فإن هذا امتحان واختبار لشخص يفترض أنه من أهل الكرم والجاه ومن المعروف أن الشعراء مولعون “بحس الظن”. وهو مدللون وقد عودوا على نيل الحظوة والتقدير بمجرد كونهم شعراء، فكيف يكون الأمر إذا عبروا صراحة عن حاجتهم وعينوا بغيتهم فذلك لا شك من دواعي مضاعفة الصنائع والعطايا فما بالك إذا خابت كل هذه الآمال وانهار صرح الأماني؟
اكتشاف الإعراض:
هنا تكون اللحظة الخطيرة التي ترافق ساعة خيبة الأمل وذلك عندما يفطن الشاعر لعدم الاستجابة ويحس بصدود المسؤول وللعتبير عن ذلك نلاحظ كلمات “شفت” و “شفت من تخراص” فهذه أمارات استقبال سلبية توحي للشاعر بإعراض الشخص المسؤول وتبرمه من قضاء الحاجة.
التعبير عن المرارة والحكم على الشخص المسؤول:
في هذه الحالة يعبر الشاعر عن أحاسيس المرارة وخيبة الأمر وربما تأسف على توجهه أصلا إلى هذا الشخص الذي ليس جديرا بالثقة التي منحت له، فيقول المختار اسلامه مثلا إنه فقد “البرزه” و “الطلعه” أي أنه وضع الشعر في غير محله.

مواطن “المداعبة” :
هناك عبارات يستخدمها الشاعر بعد يأسه من العطاء وهي دون التجريح وتتميز بكونها إيحائية وبعيدة عن الصراحة، وربما تكون أظرفها هنا عبارة “اثلاث نعرفهم بشور” مقابلة مع “واثلاث نعرفه حت”، وكذلك: “اعرفت ان حاكم وامشيت” فحاكم في هذا “الكاف” تعني الوظيفة وهي أيضا تدل على المنع ولذا فإنه باستخدام هذه العبارة يأتي بالجناس وبإمكانية التمويه والتأويل أيضا. وربما تكون أقسى العبارات في هذا الباب عبارة “ما فات اركب راص” لأن هذه الوضعية من رموز الخجل المنبثق عن الفضيحة وهو أيضا “الكاف” الوحيد الذي يحتوي على تعيين صريح لاسم شخص وهو “أحمد” غير أن أحمد من أكثر الأسماء انتشارا في موريتانيا، ولذا فإنه اسم لا يكاد يميز ما بين الأفراد وعلى العموم فإن القاعدة هي عدم التعيين فنراه في “الكاف” الأول يعزو الأمر لمجهول حيث يقول : “اشكرت” دون أن يعين الممدوح، ويقول: في “الكاف” الثاني : “الحاكم” ومن المعروف أن الوظيفة لا تحدد الأشخاص لسرعة تقلب المراتب في بلادنا.
وبصفة إجمالية، فإن هذه “الكفان” تتميز باللباقة والسهولة الممتنعة وربما قال قائل معترضا على “الكاف” الأول إن الشاعر فقد البرزه قبل أن يحصل عليها، ولكن ذلك قد يكون من باب حسن الظن بالمسؤول الذي يجعل الشاعر إذا تمنى حاجة مضى له ملكها “قبل أن تلقى عليها الجوازم”.

الأمين ولد محمد بابه

التعليقات :